Loading... الرجاء الانتظار ...

الرئيسية مقالات

التضخم يشعل حروب العملات حول العالم

شهدت سوق العملات شكلاً نادراً من التدخل بعد أن حركتها تصريحات مسؤولي البنوك المركزية

أشعلت فتيلها إيزابيل شنابل من المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي حين عرضت رسماً بيانياً في فبراير يظهر تقهقر اليورو أمام الدولار الأميركي، ثم تبعها محافظ بنك كندا تيف ماكليم بعد شهرين بتأسفه على انخفاض الدولار الكندي، وتلاهما رئيس البنك المركزي السويسري توماس جوردان بتلميح لرغبته بأن يقوى الفرنك.

ارتفع الدولار الأميركي 7% خلال ما مضى من هذا العام، فيما شحذ الاحتياطي الفيدرالي همته ليواجه التضخم بضراوة، فطفق محافظو البنوك المركزية الأخرى، الذين يكافحون بيأس تمدد التضخم إلى بلدانهم، يرسلون إشارات لا تورية فيها واحداً تلو الآخر بأنهم يرحبون للمرة الأولى بأن تقوى عملات بلدانهم فتساعد على تقليل تكلفة الواردات عبر تعزيز قوة العملات الشرائية في الخارج.

كان نمط تدخل نادر فقد حركت تصريحاتهم وحدها السوق. صعَّد اثنان من المحافظين الموقف في 16 يونيو حين فاجأت سويسرا المتداولين بأول رفع للفائدة منذ 2007، فبلغ الفرنك أعلى مستوياته منذ سبع سنين، ثم أعلن بنك إنجلترا بعدها بساعات رفع الفائدة، ملمحاً لارتفاعات أكبر مستقبلاً.


برزت أسعار العملات كجزء أكبر من معادلة التضخم. قال مايكل كاهيل، الخبير الاقتصادي في بنك "غولدمان ساكس"، إنه لا يستطيع تذكر وقت استهدفت فيه البنوك المركزية للدول المتقدمة تقوية عملاتها.

يُسمي عالم العملات الأجنبية ما يحدث "حرب العملات العكسية" لأن البلدان سعت على مدى أكثر من عقد لضد ذلك. يعني ضعف العملة أنه يمكن للشركات المحلية بيع السلع في الخارج بأسعار تنافسية أفضل، ما يساعد على نمو الاقتصاد. أصبح تعزيز القوة الشرائية هاماً للغاية فجأة في ظل ارتفاع تكلفة كل شيء من الوقود إلى الطعام إلى الأجهزة.

رابحون وخاسرون
إنها لعبة خطيرة. إن تُركت هذه المنافسة الدولية دون ردع ستهدد بتقلبات شديدة في قيمة العملات الأكثر هيمنة وبعرقلة المصنعين المعتمدين على التصدير وبانقلاب الأوضاع المالية للشركات متعددة الجنسيات وبانتقال أعباء التضخم حول العالم.

تُعرف حروب العملات الأجنبية بأنها تقتضي خسارة طرف ليكسب آخر، لذا سيكون هناك رابحون وخاسرون. قال آلان روسكين، كبير المحللين الإستراتيجيين الدوليين في "دويتشه بنك"، إن كل الدول "تريد الشيء ذاته"، لكن "لا يمكنك الحصول على ذلك في عالم العملات".


جاء أحد أبرز التدخلات الحكومية واسعة النطاق في أسواق العملات في 1985. ارتفعت قيمة الدولار الأميركي خلال فترة ولاية الرئيس رونالد ريغان الأولى على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، مُسجلة أعلى مستوى لها على الإطلاق مقابل الجنيه الإسترليني. رأت الإدارة هذا الأمر في البداية كإشادة بقوة الاقتصاد الأميركي، لكن سرعان ما اتضحت عيوبه. تعرض ريغان لضغوط من المُصنعين الأميركيين الذين وجدوا صعوبة متزايدة في تسويق سلعهم في الخارج. قدَّر لي مورغان، الرئيس التنفيذي السابق لشركة "كاتربيلر" (Caterpillar) العملاقة للآليات، أن مئات الشركات الأميركية خسرت مليارات الدولارات من الطلبيات الدولية سنوياً لصالح منافسين يابانيين بسبب قوة الدولار. التقى محافظو البنوك المركزية الأميركية بنظرائهم الفرنسيين والألمان واليابانيين والبريطانيين في فندق بلازا في مدينة نيويورك في سبتمبر 1985 وتوصلوا لما أصبح يُعرف باسم "اتفاق بلازا"، وهو خطة تهدف لخفض العملة الأميركية 40% خلال العامين التاليين. أنهى هذه الجهود توقيع وزراء المالية على "اتفاق اللوفر" في باريس.

يوان الصين
منذئذ بات تدخل الحكومات الصريح للتأثير على قيمة العملات نادراً، وأصبحت المحاولات غير الصريحة هي الأشيع. أعطى وزير المالية البرازيلي غويدو مانتيغا في 2010 "حروب العملات" اسمها حين اتهم دولاً مثل سويسرا واليابان بتعمد إضعاف عملاتها لزيادة قدرتها التنافسية في الخارج. عمَّقت التوترات الصدع بين اقتصادات الأسواق الناشئة ونظيراتها المتطورة.

أججت الصين غضب نقادها لسنوات برفضها السماح لليوان بالارتفاع، حيث عززت الصادرات الرخيصة الانتعاش الاقتصادي. استهدف دونالد ترمب سعر الصرف في البلاد خلال حملته الانتخابية وسمحت الصين لليوان بالانخفاض إلى ما دون المستوى الرمزي 7 مقابل الدولار الأميركي، وهو خط لم تتخطاه منذ أكثر من عقد، فيما تبادلت فيه الولايات المتحدة والصين اللكمات عبر فرض التعريفات الجمركية المتبادلة خلال ولايته، وهو ما دق ناقوس الخطر بشأن احتمال استخدام العملة كسلاح ودفع الخزانة الأميركية لوصف الصين بأنها متلاعبة بالعملة.


لا تُعرَف بلد اليوم كما اليابان باجتهادها للحفاظ على قيمة عملتها، فقد أدى انخفاض الين إلى ملء جيوب شركات مثل "تويوتا" و"نينتندو" (Nintendo). استمر محافظ بنك اليابان هاروهيكو كورودا بإظهار موقف مُسالم، مُقراً بأن انخفاض الين ليس من مصلحة الاقتصاد. انخفضت العملة بما يزيد عن 18% هذا العام، ويراهن متداولو العملات الأجنبية بازدياد على اليوم الذي لن يكون أمام محافظي البنوك المركزية خيار سوى قلب مواقفهم.

الخاسر الأكبر
يمكن القول إن الدولار الأميركي القوي هو الخاسر الأكبر في ظل حرب العملات اليوم. كانت مكاسبه هذا العام نعمة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي يحاول محاربة أسرع زيادات في الأسعار منذ أربعة عقود. شددت وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين على التزام إدارة بايدن بسعر صرف "يحدده السوق"، لكن هذا لم يمنع سياسيين من الاحتفال بمكاسب الدولار. قال السيناتور الجمهوري بات تومي، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية بنسلفانيا، على تليفزيون "بلومبرغ" في مايو: "يتعين على مجلس الاحتياطي الفيدرالي القيام بعمله والاستمرار في هذا المسار" لمكافحة التضخم. لكنه أضاف أن قوة الدولار "تساعد كثيراً".


قد لا تتمتع الولايات المتحدة بهذه الميزة لفترة طويلة. أثرت زيادات أسعار الفائدة في سويسرا وبريطانيا بالفعل على الدولار، الذي سجل في وقت سابق من يونيو أكبر انخفاض استمر ليومين منذ مارس 2020.

سترحب بعض الصناعات بهذا التراجع. قالت شركة "سيلزفورس" (Salesforce) إنها تتوقع أن تكلفها مكاسب الدولار 600 مليون من العائدات لهذه السنة المالية. قال الرئيس التنفيذي مارك بينيوف خلال إعلان الأرباح في مايو: "ربما تمتع الدولار بربع أقوى منا".

حملة الديون
بيّن جيفري فرانكل، أستاذ الاقتصاد بجامعة "هارفارد"، أن البلدان النامية، وخاصة المُصدرة منها مثل الأرجنتين وتركيا هي بين الأضعف. أضاف أن عدداً كبيراً من الاقتصادات الناشئة لديها ديون مُقومة بالدولار مقابل عملاتها، قائلاً: "أن تنخفض قيمة عملتك مقابل الدولار عندما يكون لديك ديون بالدولار هو الأمر الأسوأ على الإطلاق".

لم يتضح بعد مدى فعالية العملة القوية في كبح جماح التضخم. قال ناثان شيتس، كبير الاقتصاديين العالميين في "سيتي غروب" والذي عمل سابقاً في وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، إنه قد ثبتت ضآلة تأثير تفاوت أسعار الصرف على أسعار المستهلك. لكنه قد يكون مفيداً في عصر استشراء التضخم. قال شيتس إن ارتفاع الدولار بنسبة 10% كان سيُقلل من التضخم في السابق بنحو نصف نقطة مئوية ويمكن أن يصل ذلك إلى "نقطة مئوية كاملة" اليوم.


يحذر الخبراء من أن ينطوي أي تدخل حكومي على مخاطرة عالية بالفشل. قال مارك سوبيل، كبير مسؤولي وزارة الخزانة السابق وهو الآن الرئيس الأميركي لمنتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية، وهو مؤسسة فكرية: "قد يكون استهداف أسعار الصرف ممارسة متقلبة للغاية وغير مثمرة وقد يكون التنبؤ بتفاعل أسواق الصرف مع خيار سياسة معين مهمةً مستحيلةً في كثير من الأحيان".